الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
358
مختصر الامثل
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ( 196 ) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ( 197 ) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ( 198 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : نزلت في مشركي العرب ، وكانوا يتجرون ويتنعمون بها ، فقال بعض المسلمين : إنّ أعداء اللَّه في العيش الرخيّ ، وقد هلكنا من الجوع ! فنزلت الآية . التّفسير سؤال مزعج : السؤال الذي مرّ ذكره في سبب نزول هذه الآيات والذي كان يطرحه بعض المسلمين في عصر النبي يعتبر سؤالًا عاماً يطرح نفسه على الناس في كل زمان ومكان . فإنّهم يرون كيف يتنعم العصاة والطغاة ، والفراعنة والفساق ، ويرفلون في النعيم ، ويعيشون الحياة الرفاهية ويقيسونه - غالباً - بحياة الشدة والعسرة التي يعيشها جماعة من المؤمنين ، ويقولون متسائلين : كيف ينعم أولئك العصاة - مع ما هم عليه من الإثم والفساد والجريمة - بمثل تلك الحياة الرغيدة ، بينما يعيش هؤلاء - مع ما هم عليه من الإيمان والتقوى والصلاح - في مثل هذه الشدة والعسرة ، وربّما أدى هذا الأمر ببعض ضعفاء الإيمان إلى الشك والتردد ؟ ! ولو أنّنا درسنا هذا السؤال وحلّلنا عوامل الأمر وأسبابه في كلا الجانبين ، لظهرت أجوبة كثيرة على هذا التساؤل ، وقد أشارت هذه الآيات إلى بعضها ، ويمكننا الوقوف على بعضها الآخر بشيء من التأمل والفحص . تقول الآية الأولى من هذه الآيات : « لَايَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى الْبِلدِ » . والمخاطب في هذه الآية وإن كان شخص النبي الكريم صلى الله عليه وآله إلّاأنّ المراد هو عموم المسلمين . ثم تقول : « مَتَاعٌ قَلِيلٌ » . أي إنّ هذه النجاحات المادية التي يحرزها المشركون ، وهذه الثروات الهائلة التي يحصلون عليها من كل سبيل ليست سوى متاع قليل ولذة عابرة . « ثُمَّ مَأْوَيهُمُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ » . فالملذات المادية تستعقب عواقب سيئة ، فإنّ مسؤولية هذه الأموال والثروات ستجرّهم إلى مصير مشؤوم ، ذلك هو الجحيم الذي